<< May ’08 >>
Su Mo Tu We Th Fr Sa
    
 1
 2
 3
 4
 5
 6
 7
 8
 9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
Advertisement

www.amsawad.com

  • الصفحة الرئيسية
  • الأخبار
  • المقالات
  • رياضة
  • متفرقات
  • عالم تكنولوجيا
  • المرأة و الطفل
  • مواقع أمازيغية
  • تعليم الامازيغية
  • منتديات
  • مذكرة
  • بيانات و تقارير

القائمة الرئيسية

الصفحة الرئيسية
الأخبار
المقالات
رياضة
متفرقات
عالم تكنولوجيا
المرأة و الطفل
مواقع أمازيغية
تعليم الامازيغية
منتديات
مذكرة
بيانات و تقارير

خدمـــــات

ألبوم الصور
دليل المواقع
مركز التحميل
أرسل مقالاتك
رشيد نيني من "شوف تشوف" إلى "دوخ دوخ"
في عمود نشره رشيد نيني صاحب جريدة المساء الأكثر انتشارا في المغرب عدد 447 ليومه الثلاثاء 26 فبراير 2008 والذي عنونه بـ "إرهاب بصيغة الجمع"، متحدثا ومستهزئا فيه بالمسرحية الجديدة التي شاهدها المغاربة الأسابيع الماضية والذي بطلها احد الوهابيين الجدد بالمغرب المجهول. وفي حديثه الذي بات مملا لدى عموم قراء الجريدة التي مافتئ المغاربة الحادكين يثقون فيها ويشترونها يوميا على أنقاض أزمتهم الجيبية الغير المنتهير...
 

النشرة البريدية

إسم المستخدم


الإيميل




ألبوم الصور























حاليا يوجد في الموقع

دليل المواقع

  • mondeberbere
  • nadorien
  • tamazight
  • rifmp3.com
  • azawan

Rifmp3.com

تسجيل الدخول






هل فقدت كلمة المرور؟

Archive

  • أبريل, 2008
  • مارس, 2008
  • فبراير, 2008
  • يناير, 2008
  • ديسمبر, 2007
  • نوفمبر, 2007

chat

جيش التحرير المغربي أو الحلم الامازيغي المؤجل PDF تصدير لهيئة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
الكاتب/ مصطفى بريش أسملال/ القنيطرة   
الخميس, 27 مارس 2008

Active Imageجيش التحرير المغربي

أو الحلم الامازيغي المؤجل

دراسة مهداة للمعتقلين السياسيين للقضية الامازيغية

بقلم مصطفى بريش أسملال/ القنيطرة

E-mail : هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته

مقدمة:

إن الشروع في البحث في تاريخ جيش التحرير المغربي تكتنفه مجموعة من الصعوبات التي تطرح على عدة مستويات , المستوى الأول يتحدد بما هو سياسي أي عدم قدرة المؤرخ والباحث المغربي على إثارة السؤال ونفض الغبار عن بعض الطابوهات التي تحكم تاريخ المغربي وتجعله بعيدا عن التناول الديمقراطي الجماهيري , فالخطوط الحمراء التي رسمت دوما أمام الباحث قليلا ما يقوم بتجاوزها , وان قام بذلك فانه يتعرض للزجر من طرف السلطة المسيطرة على وسائل إنتاج المعرفة التاريخية .

المستوى الثاني يتحدد بما هو سيكولوجي ملازم للطبيعة البشرية , وان كان له ارتباط بالسير العام للبحث التاريخي المغربي , وبالسلطة الحاكمة , فالباحث مازال يرتكن إلى المقاربات التقليدانية الموروثة عن خطابات الحركة الوطنية المغربية , التي تستهجن وتخون من العمل المسلح والتحرري , الذي كان ضدا على التوجه السياسي المهادن لأحزاب الحركة الوطنية قبل وأثناء " استقلال" المغرب , وقد تم تكريس هذا التوجه في سلوكيات الإنسان العادي والإنسان الباحث على السواء عن طريق وسائل وآليات الضبط والتحكم كالمدرسة والإعلام والمنظمات السياسية .

المستوى الثالث – وهو مرتبط بالمستويين الأول والثاني- يتمظهر في طبيعة التراكم على مستوى البحث التاريخي , الذي قام بتناول قضية العمل المسلح عموما وجيش التحرير خصوصا , فالتمعن في المصادر والمراجع والمذكرات تؤدي بنا إلى الاستنتاج – ولو بشيء من المغامرة – أن لا شيء كتب عن جيش التحرير يرقى إلى مستوى إنتاج معرفة ذات حمولة علمية وموضوعية , تكون خارجة عن رهانات السياسي ومنفتحة على رهانات الباحث العلمي الذي يتوخى الدقة والموضوعية .

هكذا إذن كان التناول. وان كنا لا نعتبر هذه الدراسة المتواضعة ستقوم بحل هذه الإشكالات, فحسبنا أن تقوم بفتح باب النقاش حول هذه الفترة الغامضة من التاريخ السياسي لمغرب الفترة الحديثة.

فكيف إذن تعاملت " المدرسة التاريخية المغربية " مع تاريخ جيش التحرير ؟ وما مدى مساهمة عبد الكريم الخطابي في دعم الحركة التحررية المغاربية ؟ وكيف كانت انطلاقة جيش التحرير ؟ وما مصيره بعد " استقلال " المغرب عن فرنسا ؟

جيش التحرير المغربي ومفارقة التاريخ الرسمي للواقع:

1- التاريخ بين الهيمنة وديمقراطية البحث :

" إن شعبا يجهل حقيقة تاريخه ليس محكوما عليه أن يعيد إنتاج هذا التاريخ فحسب , بل لا يعتبر شعبا أصلا , لآن الشعب مكون , ومشكل , ومتكهن له بتاريخه الذاتي , التاريخ الحقيقي وليس التاريخ المبتدع أو الخيالي " أنتونيو كالا .

إن الشعوب التي صنعت الملاحم قلما تبرز على مسرح التاريخ , فالتاريخ يكتبه المنتصرون , وحروب ونضالات الشعوب والجماعات تنتقل من ساحات الحرب إلى ساحات التاريخ , والمعركة تحسم لمن يمتلك العدة والعتاد التاريخيين .

فكثير من الأحداث التي عرفها تاريخ البشرية وصنعت أمجاد شعب ما , تتوارى إلى الوراء والى غياهب النسيان ويمر عليها مرور الكرام في المقررات المدرسية وفي التناول والبحث التاريخيين .وبالتالي يصبح التاريخ مجرد أداة من الأدوات الإيديولوجية المستعملة في ممارسة القتل البطيء على الذاكرة الجمعية والفردية للشعوب المغلوبة على أمرها.

واستبعاد الحقائق لاستحضار الأكاذيب والأساطير- بنوع من الوعي بها- يعد جريمة وعنف رمزي ممارس من طرف النخب المسيطرة على حقول البحث وعلى مراكز البحث العلمي , بل يمكن اعتبار الخلفيات الإيديولوجية المستعملة لإقبار تاريخ الشعوب خلفيات متخلفة باعتبارها تؤبد وتكرس التراجع والاسطرة ( من الأسطورة ) التي تعرفهما حقول البحث التاريخي .

فإلى أي حد يمكن اعتبار أن " المدرسة التاريخية المغربية " لم تسلم هي أيضا من هذه المعيقات الواعية ؟

إن تاريخ المغرب لم يجد بعد ذاته التاريخية فهو ممزق بين مدارس مختلفة ومتنوعة إلى حد التناقض والتنافر , لكن الإشكال ليس هنا باعتبار أن من حق أي مؤرخ الاختيار بين المناهج التاريخية التي تناسبه وتناسب مجالات بحثه , الإشكال هو في التناول ألتجزيئي المغيب لفترات والمركز على فترات أخرى أصبحت مستهلكة , ثم استبعاد الذات لا بمفهومها الفردي ولكن بالمفهوم الجمعي الشامل الذي بدونه يصبح التاريخ مجرد اجترار لنظرة " الأخر " عن ذلك البلاد ألعجائبي الساحر .

الذات تستدعي منا القطع مع كل ما يشوه التاريخ ويجعله مجرد اجترار أقوال السلف أو جعله مادة تستهدف تكوين الناشئة كما قال عبد الله العروي , فالتاريخ أبعد من ذلك بكثير فهو ذاكرة الشعوب تستدعي منا الدقة والموضوعية والأمانة في تناوله.

فكثير ما بني هذا التاريخ على الأكاذيب والتشويهات والأساطير والتي تنتقل – مع فرط استحضارها بشكل يومي- من الميثي إلى الواقعي وبالتالي تصبح لحظة من اللحظات المؤسسة لتاريخ جماعة ما , فتاريخ البشرية يشبه إلى حد ما تاريخ الكرة الأرضية حيث انتاح طبقات جيولوجية متراصة , لكن تاريخ البشر يتحرك يشكل أسرع من تاريخ الأرض والذي يولد هو الأخر طبقات سميكة تحتاج إلى البحث والحفر والتنقيب.

إن الطبقات المتراصة التي يخلفها التاريخ الأسطوري تحتاج إلى عقليات واعية بوجودها والى وسائل وآليات التنقيب والحفر والى جيش من العاملين ينزل بمعاول النقد عليها والى متخصصين في تحليل الطبقات التاريخية لتحديد مكامن ترسب التشويهات فيها لمعالجتها.

إن من أمراض البحث التاريخي المغربي هو سيطرة نخبة معينة على هذا الحقل نتيجة عوامل تاريخية وسياسية بالأساس , هذه العوامل حسمت " السلطة التاريخية" لمجموعة من الباحثين المغاربة , مدتهم الدولة بالوسائل المادية والمعنوية وحصنتهم بسياج أحمر في معاهد ومراكز البحث وفي الجامعات , فيما عاش الباحثين التاريخيين الآخرين على هامش التاريخ , وبتهميشهم تم تهميش تاريخ جزء كبير من هذا الشعب , ليغيب بذلك تاريخ الجبال في مقابل تاريخ الحواضر وتاريخ الثقافة الشفهية في مقابل تاريخ الثقافة العالمة وتاريخ الأفراد والجماعات في مقابل تاريخ السلطان والحاشية .

تكريس مفهوم السيطرة في البحث التاريخي ضدا على ديمقراطية البحث يجعل الشعوب تعيش نوعا من " السراب التاريخي" حيث تظهر " الحقائق" لا كما هي لكن كما أريد لها أن تكون , وبالتالي يصبح هذا الشعب مستعدا لتقبل كل شيء عن ماضيه وقابلا لإعادة تكرار كل شيء بدون نقد أو تفكيك .

فسلاح النقد يغيب عند الشعوب المسيطر عليها , وعندما يغيب هذا السلاح يصبح الفرد ومعه الشعب مجرد شيء أو سلعة أو مادة قابلة للضم والامتلاك حسب تعبير هيجل , وبذلك تتدنى مراتبه في السوق الدولية للممتلكات الرمزية .

فمن مصلحة الفئة المسيطرة على وسائل إنتاج المادة التاريخية والخادمة لتأبيد إيديولوجيتها والتي توافق إيديولوجية الدولة أن تبقى الفئات الممانعة على مستوى البحث التاريخي على الهامش , وممارسة هذا السلوك الاستبدادي ينم عن وعي بقوة الفئات المناقضة وقدرتها على خلخلة وتكسير التحالفات التي تستهدفها , فتاريخ الهوامش والفئات المهمشة قلما يتناول في الأبحاث التاريخية في نطاق الدول المتخلفة على مستوى أنظمة الحكم , لأنه ليس من مصلحتها تحريك المياه الراكدة والتي لن تكون إلا وبالا على استقرارها المزعوم .

والمؤرخ المغربي لم يسلم هو أيضا من تبعات ذلك , فبمجرد ما قام المؤرخ علي صدقي أزايكو أوائل الثمانينات بتحريك موضوع من موضوعات الهامش المغربي حتى تحركت معه آلات القمع لإيقافه وإيقاف الدورية التي نشرت دراسته , وهنا ينبع كما قلت خطورة البحث التاريخي في تناوله لظاهرة الهامش في الأنظمة المتخلفة وتبعات ذلك سواء على نفسية الباحث عندما يتم منعه أو لدى السلطة القامعة بتفكيرها في آليات احتواء الأصوات الممانعة والتي تسمع من أطراف الهوامش .

إذن فبلد مثل المغرب ما زال يحتاج إلى قوة دافعة من الأسفل نحو الأعلى لتحقيق الاستقلالية على مستوى البحث التاريخي ومناهجه والى مسائلة لبنيات تاريخ المغرب الرسمي وخلخلة تركيباتها المؤسطرة والمغلفة بالأكاذيب بامتلاك قدر من الشجاعة والجرأة لطرح اللحظات التأسيسية لتاريخ المغرب على محك التساؤل والنقد الموضوعيين.

ومن بين المواضع التي غيبت بوعي مدروس من تاريخ المغرب نجد جيش التحرير المغربي وتاريخ المقاومة المسلحة بصفة عامة لاعتبارات متعددة يتداخل فيها السياسي بالإيديولوجي ليقومان بدور المعيق والحاجز أمام ديمقراطية البحث والمعرفة التاريخيين.

2- استبعاد جيش التحرير من تاريخ المغرب:

لماذا ظلت الكتابة في تاريخ جيش التحرير المغربي مقترنة بمجموعة من التناقضات لا تحتمل الفهم ؟ وكيف ظل بعض المؤرخين والسياسيين ينتقصون من دور جيش التحرير في تاريخ المغرب ؟ ثم لماذا السكوت عن ملاحم ومعارك هذا الجيش والتي زحزحت قناعات المستعمر في قوة جيوشهم ؟ .

إن الإهمال المتعمد لهذا التاريخ تظهر تجلياته في مجموعة من المجالات من بينها :

- كتابات الحركة الوطنية التي لم تشر إلى جيش التحرير إلا لإعطاء صورة مشوهة عنه أو محاولة اعتباره مجرد تابع لها بخلق زعامات وهمية له .

- كتابات ودراسات المؤرخين المغاربة التي تتناوله في فقرة أو فقرتين والخلط الذي يقع لها بين قيادات هذا الجيش وبين جيش التحرير بالريف وجيش التحرير بكل من الجنوب والجنوب الشرقي...

- المقررات الدراسية والتي لا تلمح حتى بجملة وحيدة لهذا الجيش.

- اعتبار بعض الأحداث التاريخية أعيادا وطنية ( تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال...) وإغفال الأحداث اكتر أهمية صنعت تاريخ المغرب المعاصر ( معركة أنوال...) مع العلم أن الأحداث المحتفل بها لا تمثل شيئا يذكر مقارنة بمعارك المقاومة المسلحة وجيش التحرير, بل هي مجرد لحظات أو ردود فعل أكثر من صيرورة نضالية مدروسة ومنظمة.

- حينما يصادف يوم 18 يونيو يوم الاحتفال بالمقاوم فهو يصادف ذكرى وفاة الزرقطوني بعد تناوله حبة سم بعد إلقاء القبض عليه من طرف المستعمر الفرنسي , وبذلك يتم غض الطرف مثلا عن يوم 2 أكتوبر 1955 الذي يصادف انطلاق عمليات جيش التحرير .

- التبخيس من كل فعل نضالي يقوم على حمل السلاح ضد المستعمر والإعلاء من العمل السياسي التفاوضي باعتبار الأول عملا فوضويا يعتمد على العنف والإرهاب والثاني عمل سلمي حضاري راقي تمارسه الفئات المثقفة والواعية في مقابل أن السلاح لا يحمله إلا الرعاع , وبذلك يمكن فهم لماذا تم اعتبار نضال المقاوم الحنصالي بإقليم أزيلال جرما وإرهابا يستهدف الفرنسيين .

لقد لعبت كل من النخبة المثقفة في مجال البحث التاريخي و النخبة السياسية الانتهازية أدوارا كبيرة في الحصار التاريخي الذي مارسته على جيش التحرير بتغييبه المقصود من تاريخ المغرب , وبالتالي وجد رجل السياسة مبرر إقصاء الجيش من المقررات الدراسية نظرا لقلة وغياب المصادر والكتابات التاريخية التي تناولت جيش التحرير .

انه تاريخ محاصر بكل ما للكلمة من معنى , حوصرت قياداته من أمثال عباس المساعدي والهاشمي الطود وحدو أقشيش... وأصبحت مجرد أسماء تزين بعض الكتابات التاريخية ويمر عليها مرور الكرام , دون التساؤل مثلا عن حيثيات اغتيالهم ومن يقف وراء ذلك الفعل الجبان , ومن يتحمل – بعد مغرب الاستقلال- مسؤولية إيقاف جيش التحرير وإعاقة سيره نحو تحرير شمال إفريقيا وتوحيد الحركات التحررية على مستوى هذه الأقطار .

لقد كانت هناك كتابات قليلة تعد على رؤؤس الأصابع حاولت الاهتمام بجيش التحرير وتقديم خدمات لهذه الفئة التي ناضلت بقوة السلاح لدحر المستعمر فأرخت لها بعيون موضوعية ولو نسبيا.

لكن الإشكال الكبير يطرح على مستوى الاتصال بالقيادات الميدانية التي شاركت عن بعيد أو قريب في تكوين الجيش والدخول في حرب ضد العدو, غياب هذا الاتصال أبرز الفراغ الكبير الذي أرخى بظلاله على جوانب من تاريخ الجيش.

وبالتالي فتاريخ جيش التحرير يبقى دائما دون أجوبة نهائية أو حاسمة بغياب الاتصال المباشر مع قياداته التي ما زالت على قيد الحياة وفحص ودراسة مذكرات أبناء الجيش سواء المنشورة أو المخطوطة بخط اليد.

ومع ذلك تبقى جوانب حساسة من تاريخ نضال الجيش في حاجة ملحة إلى مزيد من النبش والتوضيح عن الحقائق الغائبة والمغيبة , من أجل فهم أوضح وسليم لتاريخ المغرب وسيرورة العمل التحرري في البلدان المغاربية , والشروط الموضوعية والذاتية التي تمكنت من إفراز تنظيم عسكري محكم ومنضبط يحمل على عاتقه مشروع التحرر من ربقة الاستعمار , وتوحيد مشاريع الكفاح المسلح مع الشعبين الجزائري والتونسي باعتبار المصير المشترك لهذه البلدان ومواجهتها للأطماع الاستعمارية .

يمكن اعتبار إذن أن قوة هذا الجيش تمكنت من زحزحة قناعات وأفكار القوى الاستعمارية التي أعادت النظر في بديهياتها وجعلتها تفكر في بدائل قادرة على إسكات روح التحرر التي بدأت تسري في المجتمع المغربي , ومن ذلك تفكيرها في الدخول في " محادثات" ايكس ليبان مع نخبة من قيادات الحركة الوطنية والتي سقطت بوعي في فخ فرنسا الاستعمارية كمقدمة للإجهاز على جيش التحرير عن طريق اغتيال قياداته وإدماج آخرين في الجيش الملكي ...وهو ما سنتعرض له في الفصول اللاحقة.

لكن في المستوى الأخر نرى أن الباحثين المغاربة استهانوا بتاريخ جيش التحرير ولم يستطيعوا تجاوز مجموعة من الحواجز التي تعيق البحث في هذا الميدان المحفوف بمجموعة من الأخطار السيكولوجية بدرجة أقل والسياسية بدرجة أكبر.

3- إشكالات أساسية في حاجة إلى نظر :

لم يكن جيش التحرير مجموعة من الأفراد انتهت مهمتهم عند حمل السلاح لمواجهة الأطماع الاستعمارية, بل كانت هناك جوانب مظلمة تحتاج إلى المزيد من التنقيب والبحث تهم مسار الجيش وأفراده وقياداته...

فمن ناحية تشكيلة الجيش فقد التحقت مجموعة من الأسر بالمنطقة الشمالية أي الخليفية واستقر معظمها لدى القبائل الريفية في ظروف صعبة للغاية باعتبار ضياع ممتلكاتها من أراضي وحيوانات ...ونلاحظ هنا الغياب النسبي لوثائق تبرز طريقة التنسيق بين هذه الأسر وبين مضيفيها في منطقة الريف.

كما أن سكان بعض المداشر تحملوا مخططات المستعمر وعادوا من مخابئهم في الجبال بعد أيام إلى منازلهم , وشهدوا كل أنواع الإذلال وصلت إلى درجة تسليح بعضهم من أجل مواجهة إخوانهم المقاتلين في الميدان .

إلى جانب ذلك عمل المستعمر على احتجاز رهائن منهم ووضعها طيلة الحرب رهن الإقامة الإجبارية بمركز " بورد" بمنطقة الريف, مما يبين عمق المآسي التي واكبت التأسيس والإعداد لانطلاق عمليات جيش التحرير.

وقد كونت مجموعة من الأسر فرقا حربية يغيرون بها على القوات الفرنسية في مختلف المناطق التي اندلعت فيها حرب التحرير , لكن المعطيات المفصلة والتي تبحث في الشأن اليومي طيلة مدة الحرب تبقى غائبة لدى الباحث , وبدونها لا يمكن الإجابة عن أسئلة كثيرة من بينها كيفية التخطيط لمعارك الحرب أو طريقة التنقل بين الجبال والوديان والصعوبات التي وجدوها أثناء أدائهم لمهامهم الحربية .

إن الميزة التي أضفت على هذا الجيش طابع الجيش الشعبي هو فرار العشرات من الجنود من الثكنات العسكرية للمستعمر , والتحاقهم بجيش التحرير في الجبال , هؤلاء الجنود وجب تتبع مسارهم وأسباب التحاقهم بإخوانهم المحاربين , لكن للأسف لا نجد إلا بعض الإشارات القليلة التي دونها بعض القادة الميدانيين في مذكراتهم والتي في غالبها لا تفي الحاجة المطلوبة .

تعددت المراكز التي كانت تستقبل أعضاء جيش التحرير, لكنها لم تنل حظها من الدراسة والتساؤل, باعتبار أن هذه المراكز تمثل مادة دسمة للبحث نتيجة الدور كبير الذي لعبته على مستوى التخطيط للعمليات وإعداد المحاربين نفسيا وعسكريا...وتدبير شؤونهم اليومية, وبقيت الأسئلة مطروحة نتيجة هذا الفراغ, كيف كانت تدبر شؤون العمل العسكري والاجتماعي ؟ كيف كانت تنظم العلاقات بين مختلف الفرق ؟ لماذا تم اللجوء إلى تكوين فرق عديدة مستقلة بعضها عن بعض ؟ هل الأمر جاء عن طريق الصدفة أم اختيار تكتيكي ؟ ما هو دور هذه الفرق العديدة في إنجاح الحرب التحررية ؟

إن التاريخ لم يجب بشكل قطعي عن منطقتين لعبتا أدوار في جيش التحرير , قيادة الناظور وقيادة تطوان ( وهو ما سنتطرق له لا حقا ) , ففي بعض الأحيان تظهر أحداث توحي أن هناك صراع ظاهر وخفي بينهما من أجل الزعامة وتقاسم الأدوار نتيجة الاختلاف الكبير بين القيادات والعناصر المشكلة لكل مركز على حدا, واختلاف أيضا على مستوى خلفياتها السياسية والاجتماعية .

فلماذا إذن كانت هناك محاولات عديدة من طرف قيادة الناظور أو من لدن قيادة تطوان في المراحل الأولى لتأسيس الجيش لوضع قادة خارج القبيلة لتسيير الفرق المقاتلة ؟ وكيف تم التخلص منها ؟

وحسب الأستاذ محمد الخواجة في كتابه المعنون ب " جيش التحرير المغربي مذكرات للتاريخ أم للتمويه" ف " هناك حديث عن تكليف بعضهم بإعداد تقارير حول وضعية القتال بجبال الريف , لكن للأسف الشديد لم تنشر , كما لم يظهر لها أثر ملحوظ إلى يومنا هذا ... وأذكر بالمناسبة أن أحدهم أسر لي إلى أن مصطفى بن عثمان كلفته جهة تطوان بالتجول في الريف , وأعد تقريرا حول سير الحرب بها. كما أنه يمتلك وثائق هامة عن المقاومة وجيش التحرير. لكن بعد قراءاتي للاستجواب الذي أجرته معه إحدى المجلات, لاحظت أن الصفحات الكثيرة المخصصة له, لم تتحدث عن كفاحه ومشاريعه في جبال الريف إلا في فقرات قليلة. وهنا تبين أن المرحوم بن عثمان بعيد كل البعد عما نسب له , رغم حلوله بالريف ومرنيسة للقيام بمهام كانت فوق طاقته." ( ص 21 و 22 من الكتاب المذكور أنفا).

لم تدون أغلب المعارك التي قادها جيش التحرير على صعيد كل مركز على حدا, والباحث يقع له نوع من الغموض عند محاولته مسائلة المراكز المبثوثة في الجبال خاصة تحديد الأطراف التي خاضت المعارك في جبهات القتال.

بعد انتهاء المعارك أصبح الكل يدعي القيادة والريادة ويعطي لنفسه شأنا كبيرا بالتضخيم من الأعمال التي قام بها , لكن – حسب الأستاذ الخواجة- " عند العودة إلى المراسلات بين قيادة الناظور وقادة الفرق لا نجد إلا بضعة أفراد , من بين هؤلاء , أعطوا الدليل بالملموس على أنهم كانوا محاربين يقودون المعارك عن جدارة واستحقاق .وليس كل من نصب على فرقة بعد انتهاء الحرب , كان قائدا حربيا . إن بعض الزعامات لا ترقى إلى ما انطبع عنها لدى الناس أو ما تم إضفاؤها عليها من هالة من لدن بعض المغرضين " ( ص 22 من نفس المرجع ).

لذا فمن الثغرات التي يلاقيها الباحث في هذا الميدان هي من قبيل الشخصيات الحقيقية التي تمكنت من قيادة جيش التحرير واستطاعت أن تبرز قدرتها التنظيمية والعسكرية وتمتعت بنوع من الكاريزمية , في مقابل ذلك نجد أن بعض الدراسات المغرضة حاولت النيل منها واستبعاد أدوارها الهامة في قيادة النضال المسلح .

إن من سمات المقاومة المسلحة المغربية في الخمسينات هي انطلاقها من روافد اجتماعية وثقافية متعددة مما أدى إلى ظهور " قوى" متعددة في مجموعة من مناطق المغرب , فجيش التحرير ظهر في المنطقة الشمالية الشرقية وبعد انصرام بضعة أشهر على انطلاقه ظهر " جيش الزرهوني" بتطوان سنة 1956, وفي ربيع 1956 ظهر جيش التحرير في الجنوب الشرقي , وفي صيف 1956 ظهر جيش التحرير بالصحراء الجنوبية.

هذا التعدد يحتاج إلى المزيد من البحث لإبراز الأسباب الحقيقية التي أدت إلى ظهور هذه " القوى" في فترات زمنية متقاربة , وفي حملها لمشروع تحرري واحد ينطلق من الكفاح المسلح ضد المستعمر لاسترجاع الأراضي المغتصبة , لكن في نفس الوقت تطرح تساؤلات عن مسارات هذه " القوى " والطريقة التي استطاع النظام المغربي من " إدماج واحتواء" البعض منها و المساهمة في الدعم المباشر للبعض الأخر ( جيش التحرير بالجنوب).

يتضح إذن من خلال هذا الفصل الأول أن التناول التاريخي المغربي- لمجموعة من القضايا التي وسمت الفترة المعاصرة – يتسم بالحذر وبنوع من الخوف السيكولوجي مؤطرين في إيديولوجية الدولة المهيمنة والمغيبة لتاريخ الهامش والفئات المهمشة والحركات التي اختارت الكفاح المسلح, ضدا على الحركة الوطنية ذات التوجه السياسي المفاوضاتي والتي سعت إلى تغليب كفة "المقاومة السلمية" للمحافظة على علاقاتها الثقافية والاقتصادية مع المستعمر الفرنسي والاسباني والتي استمرت إلى ما بعد الاستقلال الشكلي للمغرب .

وقد كان ذلك نتيجة التصفيات التي تعرض لها قيادات جيش التحرير من طرف أحزاب الحركة الوطنية التي كانت تعي حجم التهديد الذي يمثله الجيش لو تمكن من استكمال مشروعه التحرري ذو الأفق المغاربي واستبعاده لخيار المفاوضات مع المستعمرين الفرنسي والاسباني.

من حرب الريف إلى جيش التحرير:

1- تطلع عبد الكريم الخطابي إلى حرب تحررية ثانية:

" من سوء الحظ أني عشت لأرى أفكاري تتشتت, ولأشهد مصارعها واحدة اثر أخرى.فقد دخلت الانتهازية وحمى المتاجرة في قضيتنا الوطنية..." عبد الكريم الخطابي.

لا يمكن الفصل بين الثورة الريفية في العشرينات من القرن العشرين التي قادها محمد بن عبد الكريم الخطابي و جيش التحرير المغربي الذي انطلقت عملياته أواسط الخمسينات , فصورة بطل الريف وأمجاد معارك " ادهار أوبران" و " أنوال" كانت و لا تزال حاضرة في نفوس أعضاء جيش التحرير , باعتبار أن أعين " أمير الريف" كانت متتبعة لما كان يجري في المغرب من أحداث ووقائع بصمت على الحلول التي قدمها الخطابي لمشاكل دولة ما بعد الاستقلال .

لقد أعلن الخطابي بعد " نزوله" أو " إنزاله" بالقاهرة سنة 1947 عن عزمه الأكيد في استئناف ومواصلة الحرب التحررية ضد الاستعمارين الفرنسي والاسباني .

وحسب شهادة القائد العقيد الهاشمي الطود ف " يعتبر تاريخ 31 مايو 1947 يوما حاسما في تاريخ نضال شعوب المغرب العربي ضد الاستعمارين الفرنسي والاسباني . ففي ذلك اليوم الأغر انفك أسر المجاهد بن عبد الكريم الخطابي , هذا الأسر الذي امتد واحدا وعشرين سنة , وذلك بنزوله في ميناء بورسعيد من الباخرة التي كانت تقله من منفاه القديم في جزيرة لارينيون إلى منفى جديد في التراب الفرنسي , وباستجابة الحكومة المصرية لطلبه اللجوء السياسي إلى مصر . لقد اتسم هذا الحدث الجلل برمزية خاصة مغرقة في العمق بالنسبة لأمير الجهاد, لكونه يمثل بصفة جلية فرصة سانحة لانبعاث الكفاح المسلح المغربي بعد واحد وعشرين سنة من سقوط أخر قلاعه في قمم الريف الشماء. هذا الانبعاث الذي أصبح يتطلب إستراتيجية جديدة ومتجددة على ضوء موازين القوى الدولية الجديدة الناجمة عن انتصار الحلفاء من جهة , ووفق مفهوم جديد لجبهة القتال يقوم على وحدة الهدف والمصير المغاربيين , كما أثبتت ذلك المغامرة الاستعمارية نفسها ." (من نص مداخلة ألقيت في اليوم الدراسي الذي انعقد في 5 فبراير 2005 تحت عنوان " عبد الكريم الخطابي وقضايا مغرب اليوم").

لقد توصل تمكن الخطابي من الاطلاع على الأوضاع العامة التي كانت عليها الساحة السياسية المغاربية , وكل ما يجري بين قادة الأحزاب السياسية من صراعات واختلافات كان من المفروض أن تنمحي في هذه الفترات العصيبة , وحاول تقريب وجهات النظر المختلفة بإقناع هذه القيادات بتجاوز خلافاتها الشخصية والحد من طموحاتها الذاتية .

ومن أجل ذلك أخد مبادرة تأسيس لجنة تحرير شمال إفريقيا في يناير 1948 محددا أهدافها في ميثاق دعا إلى المصادقة عليه كافة الأحزاب السياسية المغاربية .

وبذلك تصدر الخطابي الساحة التحررية المغاربية وتحمل مسؤولية قيادة الكفاح في البلدان المغاربية الثلاث وذلك عن طريق تكوين جيش التحرير في هذه البلدان تشرف عليه قيادات محلية تتعاون فيما بينها على أن يتولى الأمير مهمة التنسيق والإشراف على هذه الجيوش التحررية .

وكان من المفروض أن تحترم الهيئات السياسية والحزبية الموقعة على هذا الميثاق بنوده الأساسية , إلا أن صراعاتها المصلحية وأهدافها الذاتية ومحاولتها نهج أسلوب المفاوضات مع المستعمر حالت دون تحقيق أمال الخطابي في بعث روح الحرب التحررية في نفوس قيادات البلدان الثلاث .

وقد كانت الخلافات كبيرة بين الخطابي كقائد الحركة التحررية المغاربية وعلال الفاسي زعيم الحركة الوطنية وحزب الاستقلال- الذي كان من الموقعين على ميثاق اللجنة المغاربية – بسبب اختلافهما في إستراتيجية مقاومة المستعمر بين العمل المسلح والخيار التفاوضي , وسوء الفهم بين الرجلين يلخصه المفكر عبد الله العروي في العبارات الآتية:

" ...رجلان متشابهان ومختلفان, في أن. إنهما يتحدثان ولكن هل يتفاهمان ؟ وعلى كل حال انتهى اللقاء سريعا , انتهى شهر العسل القصير الذي رافق عملهما في لجنة تحرير المغرب العربي" ( عبد الله العروي " عبد الكريم والحركة القومية حتى 1947 " ضمن ندوة باريس حول " الخطابي وجمهورية الريف" سنة 1973 .)

أما الخطابي فيوضح مواقفه من الخلافات التي واكبت تأسيس اللجنة في هذه الكلمات المعبرة:»... ومن سوء الحظ أني عشت لأرى أفكاري تتشتت, ولأشهد مصارعها واحدة اثر أخرى.فقد دخلت الانتهازية وحمى المتاجرة في قضيتنا الوطنية...ووجد من بين أعضاء هذه اللجنة من يسعى لتفتيت وحدة قضيتنا وتجزئتها.ففي الوقت الذي كنت أفكر فيه لإدماج المغرب العربي في مشكلة واحدة , نشأ – ولا أدري كيف- اتجاه تقسيم هذه البلدان إلى وحدات منفصلة . وقد تعذبت كثيرا وأنا أرى أني عاجز عن مقاومة هذا الفساد الطاغي , وعندما ظهر تماما أنني لا أستطيع المضي في هذا الطريق الملتوي , انسحبت وقطعت كل علاقاتي بإخواني الموجودين في مصر , ولكني على صلة بشعبي في المغرب..."( محمد سلام أمزيان " عبد الكريم الخطابي ودوره في لجنة المغرب العربي 1947 -1956 " ).

بقي الخطابي إذن محافظا على صلاته بالشعوب المغاربية وخصوصا الشعب المغربي بواسطة المنشورات والنداءات والاتصالات التي كانت تربطه مع الوفود الريفية بالخصوص , كما ظل يعمل على تنظيم انطلاقة جيش التحرير المغاربي في كل من تونس والجزائر والمغرب كما نص عليه ميثاق اللجنة , ولتحقيق ذلك المشروع تكونت تحت إمرته قيادة ثورية ضمت مجموعة من الضباط المغاربيين تم تكوينهم في المدارس العسكرية المشرقية , وعليه سيعتمد الخطابي لتدريب الوحدات الأولى لهذا الجيش , الذي ستحدث انطلاقته تحولات جوهرية في مسيرة الحركة التحررية المغاربية .

2- قنوات صرف الحرب التحررية في شمال إفريقيا:

أ- مكتب المغرب العربي:

عقد عبد الكريم الخطابي لقاءات مع قادة مكتب تحرير شمال إفريقيا , ويقول في هذا الصدد :"... بدأت الحديث مع أعضاء هذا المكتب في موضوع يتعلق بتحرير هذا المغرب العربي , والحالة أنني أحس بفرحة كبيرة , أعادت إلينا الحنين للعمل التحرري ونحن أشد ما نكون قوة وعزيمة , بعد السنوات العجاف في المنفى , فقررت العمل معهم فورا ودون تحفظ , ودخلت في الحديث معهم لمعرفة الهدف الذي من أجله أنشئوا هذا المكتب , فقالوا ببساطة: - مكتب أسسناه للدعاية ضد فرنسا .

- المكتب لم يقم بأي عمل جدي لأنه كما قلنا أنشأناه للدعاية فقط .

" وهنا اضطررت لبيان الحقيقة لهؤلاء المحترمين جدا, إيمانا مني بأنهم سيستجيبون للعمل الثوري الذي ينتظره الشعب الرازح تحت نير الاحتلال والاستعمار... والسبب الذي دعاني لبيان هذه الحقيقة يعود إلى أنني كنت أعرف أن ما يسمى بالمحادثات السياسية أو الدعائية تنفع وحدها مع العدو الذي احتل بلادنا بالقوة ولن ينسحب منها إلا بالقوة. وما كنت أعرف أن الدفاع عن الحق أصبح بعيدا عن أداة الدفاع , وأنه يكتفي بتقديم مذكرات وإقامة مظاهرات يتساقط فيها العشرات والمئات من الأبرياء ويبادون كالحشرات . وكان هذا محتوى وطنيتهم الذي طرحوه أمامي الآن مسجلا كأسطوانة على الألسنة.الواقع أنني فوجئت . لم أكن أتصور أن الزعماء الوطنيين يلتمسون حقوق الشعب بمكتب تقتصر مهمته في جمع قصاصات الصحف وإقامة الحفلات , بينما الحقيقة تقول بصراحة أنه لا محيد من توحيد الكلمة وجمع صفوف المواطنين لاستعمال السلاح الوطني ." ( سلام أمزيان " قصة نزول الأمير الخطابي في مصر " ).

من ثنايا هذه التصريحات تتضح إستراتيجية محاربة المستعمر عند عبد الكريم الخطابي كممهد ومنطلق لتأسيس جيوش التحرير على مستوى البلدان المغاربية , بمعية القادة الذين يؤمنون بالكفاح المسلح .

ومن اجل ذلك تم التركيز على تعبئة قيادات هذه الشعوب عن طريق التواصل الإعلامي معها من خلال النداءات والبيانات التي يطلقها الأمير الخطابي لتطوير النضال السياسي وفتح جبهات ضد الاستعمار .

ولم يقتصر هذا التواصل على القيادات المغاربية بل تعداها إلى عدد من المسئولين بالمشرق ويظهر صدى ذلك في الصحف الصادرة بها , حيث كتبت جريدة السياسية المصرية تقول :" ... لا حديث للمغاربة سوى تصريحات الأمير عبد الكريم الخطابي. فقد رزق الله هذا البطل العظيم توفيقا لا حد له, وألقى عليه وعلى تصريحاته حلة القبول والرضا.ويظهر أن الجواب الوحيد الذي تعده السلطات الاسبانية والفرنسية في المغرب لتجيب على تصريحات أب الوطنية الأكبر , هو طلب أكبر عدد ممكن من القوات والعدة والعتاد , ولدلك ليمر أسبوع واحد حتى تأتي البواخر إلى الموانئ المغربية مشحونة بالقوات الأجنبية , من فرنسا واسبانيا ." ( جريدة السياسة المصرية 12 سبتمبر 1947 نقلا عن محمد سلام امزيان – المرجع السابق-).

ارتفعت معنويات الخطابي بعدما حظيت خطواته التحررية وتحركاته على مستوى البلدان المغربية بأبعاد إقليمية ودولية , ولما شعر أن بأن الظروف أصبحت أكثر موائمة لاتخاذ خطوات أخر للقفز بالنضال إلى مرحلة أخرى , والمتجلية في إشعال حرب تحررية في هذه البلدان , دعا قادة الحركة الوطنية المغاربية إلى وحدة الصف , وتحديد الهدف المشترك , وإرساء قواعد وآليات جديدة وأكثر دينامكية ففكر في تأسيس لجنة تحرير شمال إفريقيا بدلا عن المكتب الذي لم يكن يلعب إلا أدوارا هامشية لا أقل ولا أكثر .

ب-لجنة تحرير شمال إفريقيا :

إن الانتقال من ذلك المكتب ذو الطبيعة التواصلية إلى لجنة ذات أفق تحرري , يظهر بالملموس أن مستويات الكفاح ستتخذ أبعادا أكثر خطورة على المستعمر وستفتح المجال أمام صراعات وتجاذبات بين قيادات العمل الوطني في البلدان الثلاث , هذا الصراع سيفرز جناحين اثنين : الجناح الأول يمثله الأمير عبد الكريم الخطابي الذي يؤمن بالكفاح المسلح , والجناح الثاني يتزعمه علال الفاسي وباقي زعماء الأحزاب التونسية التي تنحوا إلى التهدئة والرضا بخيار مفاوضة الاستعمار, على اعتبار أن موازين القوى ليست في صالح هذه الشعوب وهو مبرر ستنفذه الثورة الجزائرية.

وقد أشار الخطابي في النداء الأول الذي ثم بموجبه الإعلان عن ميلاد لجنة تحرير شمال إفريقيا يوم 6 يناير 1948 إلى أن " ... جميع الذين خابرتهم في هذا الموضوع من رؤساء الأحزاب المغربية ومندوبيها بالقاهرة قد أظهروا اقتناعهم بهذه الدعوة واستجابتهم لتحقيقها وإيمانهم بفائدتها في تقوية الجهود وتحقيق الاستقلال المنشود " ثم يضيف ويقول " لقد كانت الفترة التي قطعناها في الدعوة إلى الائتلاف خيرا وبركة على البلاد , فاتفقت مع الرؤساء ومندوبي الأحزاب الذين خابرتهم على تكوين اللجنة(...) من سائر الأحزاب الاستقلالية في كل من تونس والجزائر ومراكش على أساس مبادئ الميثاق ..."( زكي مبارك " محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي وإشكالية استقلال المغرب").

قد جاءت أهم بنود الميثاق على الشكل التالي:

- الاستقلال المأمول للمغرب العربي هو الاستقلال التام لكافة أقطاره الثلاث :تونس والجزائر ومراكش .

- لا مفاوضة مع المستعمر في الجزئيات ضمن النظام الحاضر .

- لا مفاوضة إلا بعد إعلان الاستقلال.

- حصول قطر من الأقطار الثلاثة على استقلاله التام لا تسقط عن اللجنة واجبها في مواصلة الكفاح لتحرير البقية.

وقد صادق على هذا الميثاق ممثلو الأحزاب المغربية المتواجدين بالقاهرة كالحبيب بورقيبة من تونس والشاذلي المكي من الجزائر وعلال الفاسي وعبد الخالق الطريس...من المغرب , فيما ترأس اللجنة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي .

كانت أمال الخطابي كبيرة في التزام كل الأطراف الموقعة على الميثاق بمبادئه وسياساته التحررية , وكان-ربما- يعتقد أن مجرد التوقيع عليه من طرف "ممثلي" الحركات الوطنية المغاربية سيدفع اللجنة إلى الأمام لتنفيذ مراميها على الواقع المغاربي , غير أنه سرعان ما انقلبت الأمور عكس التوقعات المنتظرة من " القوى الوطنية " بعد أن أصبحت تصدر عنهم تصريحات تحيد عن الأهداف التي تأسست بموجبها اللجنة , فما كان من الخطابي إلا مواجهة هذه التصرفات بحكمة وتعقل نابعين من تجربته مع الخونة في حرب التحرير الريفية الأولى .

كما كان على الخطابي أيضا مواجهة والرد على المطامع الأجنبية في سعيها للظفر بمساعدة ورمزية الأمير والتي حاولت استقطابه إلى صفوفها واتخاذه أداة لتحقق مأربها السياسية في المنطقة المغاربية في إطار الصراع بين المعسكرين الشرقي والغربي .

وحسب الدكتور زكي مبارك ف " لم يمض أسبوع على بيان تأسيس لجنة تحرير المغرب العربي حتى اتصلت بالخطابي جهات سوفيتية تعرض عليه المال والسلاح وتضع رهن إشارته ربع مليون من مسلمي الاتحاد السوفياتي لإعلان ثورة عامة على ضد الاستعمار الغربي .كما اتصلت به , وفي نفس الوقت , شخصية أمريكية عن طريق سفير أفغانستان في القاهرة , تعرض عليه المال والسلاح وتترك له حرية اختيار الوسيطة التي يحرر بها الشعوب المغاربية مقابل إعلانه العداء للشيوعية والموافقة على إنشاء قواعد أمريكية في المغرب العربي ...وقد رفض الخطابي العرضين السوفييتي والأمريكي." ( من كتاب " محمد الخامس وابن عبد الكريم الخطابي وإشكالية استقلال المغرب").

ج- تكوين ضباط جيش التحرير المغاربي :

أصبحت مهمة تكوين ضباط عسكريين يقاتلون في الميدان من المهام الملقاة على لجنة التحرير بقيادة الخطابي , حيث أحس أن المرحلة المقبلة والحاسمة قبل الدخول في المعارك تتمثل في إعداد مقاتلين قادرين على نهج أسلوب حرب العصابات ضد المستعمر , وفي هذا الصدد وجه رسائل إلى مجموعة من القادة السياسيين في العراق وسوريا من أجل استقبال بعض الشبان المغاربة للتكوين في مدارسها العسكرية , وفي شهر شتنبر من سنة 1948 تلقت اللجنة جواب الحكومة العراقية في شأن قبول مجموعة من الطلاب المغاربيين لمتابعة دراستهم بإحدى الكليات العسكرية ببغداد , وكانت البعثة الأولى تتكوم من سبعة طلاب من بينهم : حدو أقشيش , الهاشمي عبد السلام الطود , محمد حمادي العزيز( الريفي)...وأغلبهم كانت له تجربة ميدانية في حرب الريف وفي حرب الهند الصينية.

وبموازاة ذلك شرع الخطابي في وضع خطة للحرب التحررية في مارس 1949 ومن بين النقط التي جاءت فيها:

- لا وجود لعدو اسمه فرنسا واسبانيا...هذا العدو وهم تسلط على عقولنا, بتشبث مرض العقدة بالأجانب, معتقدين أن الحياة لا تصلح إلا بهم وكذلك السعادة لا تتم إلا بوجودهم في بلادنا محتلين سادة متمكنين.

- ضرورة معرفة البلاد طولا وعرضا شمالا وجنوبا, شرقا وغربا بما فيها من جبال وأنهار, وغابات وأشجار, ومدن وقرى ومواصلات...

- معرفة مراكز العدو وعدد قواته في كل مركز , وأنواع الأسلحة وعددها ...

- توزيع بسرعة فائقة السلاح المستولى عليه على المجاهدين المنظمين وكذا الذخيرة الكافية على القوات الأمامية .

- الاتصال بالضباط المغاربة العاملين في الجيش الاستعماري لدعوتهم للالتحاق بالثورة التحررية ... ( محمد سلام أمزيان " قصة الخطابي مع لجنة تحرير المغرب العربي ").

إن اقتناع الخطابي بالحرب كوسيلة فعالة وناجحة للتحرر ؛سب الخطة التي وضعها , وعودة الضباط المغاربيين من سوريا والعراق للعمل بجانبه , وموقف قادة الأحزاب في لجنة تحرير شمال إفريقيا من هذه الخطة , كلها عوامل دفعته إلى المضي قدما في تنفيذ مخططاته الحربية معتمدا على العناصر التي تؤمن بتوجهاته .

وفي شهر شتنبر 1951 كلفت اللجنة كل من الهاشمي الطود وحمادي العزيز وعبد الحميد الوجدي بالتوجه إلى بنغازي بليبيا من أجل البحث عن إمكانية تأسيس قاعدة متقدمة للبلدان المغاربية في حرب التحرير , ثم الدخول إلى تونس والجزائر والمغرب إن أمكن للاتصال بقياداتها السياسية .

وعند حلولهم بليبيا أجروا مباحثات مع قادتها ووافقوا بذلك على توفير قاعدة خلفية لشراء الأسلحة وتخزينها ونقلها إلى كل من تونس والجزائر و المغرب.

ومن طرابلس التحق الضابط حمادي العزيز بصديقه الهاشمي الطود بتونس لنفس المهمة , واجريا مقابلات مع عضوين من الديوان السياسي للحزب الدستوري التونسي الجديد , والذين قاما باطلاعهما على مستجدات القضية التونسية وعن مواقفهما من المفاوضات والكفاح التحرري المسلح .

هذه المعلومات أملت على اللجنة إيفاد الضابطين المذكورين إلى كل من الجزائر والمغرب للاتصال وبصفة سرية بقيادات الأحزاب المغربية لتمكنيهم من الاطلاع على مواقف هذه الأحزاب وتوطيد الصلة النضالية ببعض العناصر الوطنية في جنوب المغرب وشماله .

( محمد حمادي العزيز " جيوش تحرير المغرب العربي..هكذا كانت القصة في البداية " مذكرات ما زالت مخطوطة.).